
أوائل المسلمين الذين وصلوا إلى بريطانيا
بقلم : أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
لم يكن وصول المسلمين إلى بريطانيا ومضة عابرة في سجل الزمن، ولا حادثة طارئة على هامش التاريخ، بل كان ثمرة مسار إنساني طويل، تشكل على مهل بين الشرق والغرب، قبل أن ترسم الحدود، وقبل أن تتصلب الهويات القومية بمعناها الحديث. ففي العصور الوسطى، لم تكن بريطانيا جزيرة منقطعة عن العالم، بل كانت طرفا في شبكة واسعة من الطرق البحرية والتجارية والفكرية، امتدت خيوطها من سواحل المتوسط إلى تخوم الشمال الأوروبي، ومن مرافئ الشرق إلى جزر الأطلسي البعيدة.
وقبل أن يلتقي الإنسان بالإنسان، كان الفكر رسولا سابقا، إذ عرفت أوروبا، ومنها الجزر البريطانية، الإسلام معرفة السمع والترجمة، لا معايشة القرب والاحتكاك. تسللت كتب العلماء المسلمين، وحصاد الحضارة الإسلامية في الطب والفلك والرياضيات، إلى الغرب عبر الأندلس وصقلية، حتى بلغت أديرة إنجلترا وكنائسها، حيث درست مؤلفات الخوارزمي وابن سينا وابن رشد، أحيانا دون إدراك كامل لأسماء أصحابها، ولكن مع اعتراف صامت بعظمة العلم الذي جاء من الشرق.
ومع هذا التمهيد الفكري البعيد، أخذ التمهيد الإنساني يتشكل ببطء وهدوء، فكانت البحار تسبق الجيوش، والتجارة تسبق الدعوة، والرحلات تسبق الاستيطان. ومن هنا تبدأ قصة أوائل المسلمين الذين وطئت أقدامهم أرض بريطانيا، لا بوصفهم جماعة مستقرة أو حضورا منظما، بل أفرادا عابرين، مروا في صمت، وتركوا آثارا خافتة، كالنقطة الأولى في صدر السطر، قبل أن يتجلى الحضور الإسلامي الواضح بعد قرون طويلة.
لم تكن بريطانيا، في بدايات اتصالها بالعالم الإسلامي، تعرف عن المسلمين إلا صدى بعيدا يأتيها عبر البحر والكتب والروايات. غير أن الزمن بما له من دهاء وصبر كان يمهد لخطوات صغيرة تفتح الطريق لخطوات أكبر. وهكذا، قبل أن يظهر الوجود الإسلامي في بريطانيا بمساجد وقرى وجاليات، جاء رجال لا يعرف لهم اسم، ولا تروى لهم سيرة، رجال حملوا شيئا من الشرق في قلوبهم، وتركوا أثرا خافتا على رمال المرافئ البريطانية. إنهم الرواد الأوائل قطرات المطر التي سبقت السيل، والشرر الذي سبق اتقاد النار.
كان البحر كما في كل صفحات التاريخ هو الباب الأول الذي يعبر منه القادمون من أقصى الأرض. ومع ازدهار حركة الملاحة الإسلامية بين القرن التاسع والحادي عشر، اندفعت سفن البصرة وعدن ومسقط وسواحل الهند في اتجاهات بعيدة، تحمل على ألواحها طيب الشرق وبضائعه وملامح أهله.
تدل الشواهد على أن بعض البحارة المسلمين طافوا بسواحل أوروبا الشمالية، وربما رست سفنهم ولو عابرا في موانئ كورنوال وبريستول واليوم الساحل الشرقي لإنجلترا.
لم تحفظ أسماؤهم، ولم يذكرهم مؤرخ، لكن الأرض لا تنسى أثر الأقدام، فقد تركوا خلفهم ما يدل عليهم، وترك الزمن من بعدهم ما يكشف حضورهم. فوجود الدراهم العباسية في تربة بريطانيا ليس حدثا لغويا أو تخمينا تاريخيا، بل هو حقيقة صامتة تقول: هنا مر مسلم ذات يوم، أو هنا وصلت تجارة المسلمين،.أو هنا مدت الحضارة الإسلامية يدها إلى الشمال البعيد.
لم يكن الفايكنغ مجرد محاربين يجوبون البحار، كانوا أيضا تجارا يربطون بين أقصى الشمال وأقصى الشرق. وعبر طرق الأنهار الكبرى الفولغا والدانوب انفتحوا على العالم الإسلامي، حتى غدت مدنهم وأسواقهم ممتلئة بالدرهم العربي.
كان الفايكنغ يبتاعون من المسلمين الحرير والحديد والعطر، ويبيعونهم السيوف والفراء والعبيد. وفي كل رحلة يعودون بقطع الفضة الإسلامية التي حملوها معهم إلى بريطانيا، حين أقاموا فيها أو غزوها أو اتخذوا منها مستقرا. وتذكر بعض السجلات الإسكندنافية وجود رجال من الشرق وغالبا من المسلمين في أسواقهم. وحين انتقلت هذه الأسواق نحو بريطانيا، انتقلت معها صور من حياة المشرق، وشيء من حديث البشر الذين جاءوا منه. قبل أن يدخل الإسلام إلى بريطانيا كمجتمع، دخله كزيارة. ففي القرون 12–13م، تشير بعض السجلات الكنسية وأوراق الملوك إلى عبور شرقيين إلى إنجلترا، كانوا في وفود سياسية أو تجارية. ولم تفصح تلك السجلات عن دينهم دائما، لكنها استخدمت أحيانا وصف:
أتباع محمد، وهو الوصف الذي كان يطلق على المسلمين في تلك الحقبة. وربما كانوا مترجمين أو تجارا أو رسلا من جنوب أوروبا، لكن حضورهم كان أول لقاء إنساني مباشر بين الأرض البريطانية وأهل الإسلام. مع اتساع التجارة الأوروبية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بدأت سجلات الضرائب الإنجليزية تذكر وجود سارسين وهو الاسم الشائع للمسلمين في بعض الموانئ. كانوا يأتون من بلنسية، وغرناطة والإسكندرية، وتونس أو من مدن المتوسط التي تتعامل مع المسلمين. جاؤوا يحملون أثواب الحرير الشرقية، والتوابل العبقة، والجوهر، واللؤلؤ، وذهب اليمن والهند. دخلوا الأسواق البريطانية زائرين، وغادروها مسافرين، لكنهم تركوا خلفهم دهشة في العيون، وفضولا في النفوس. ولم يكن القادمون إلى بريطانيا دائما من أبناء الشرق، فبعض الأوروبيين الذين عاشوا في مدن المسلمين في الشام ومصر والأندلس عادوا إلى بلادهم وقد اعتنقوا الإسلام في قلوبهم، إن لم يعلنوه بألسنتهم. وتشير بعض وثائق الموانئ الإيطالية والفرنسية إلى وجود بحارة متشربين بدين محمد عبروا شمال أوروبا، وربما وطئت أقدام بعضهم شواطئ بريطانيا.
وهكذا، جاء الإسلام إلى هذه الأرض عبر بشر ولدوا فيها، ولكن نور الشرق انطبع في وجدانهم قبل أن يعودوا إليها. إن أوائل المسلمين الذين وصلوا إلى بريطانيا لم يكونوا جيوشا ولا دعاة ولا تجارا كبارا، بل كانوا ظلالا تمشي على صفحة التاريخ، مروا سريعا، لكن مرورهم كان كالنقطة الأولى التي تكتب أول السطر. كانوا بذرة صغيرة لا ترى، لكنه البذرة التي ستنمو بعد قرون، حتى يصبح الوجود الإسلامي جزءا من روح بريطانيا وتاريخها. لقد سبق هؤلاء الرواد زمن الجاليات،
وسبقوا زمن المساجد والمراكز، فكتبوا دون أن يعلموا الفصل الأول من قصة الإسلام في بريطانيا.
المراجع:
- أوروبا والعالم الإسلامي في العصور الوسطى – سعيد عبد الفتاح عاشور
- موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية – أحمد شلبي
- اكتشاف التعددية: أوروبا والإسلام – خالد زيادة

























































































































