مؤسسة إعلامية الكترونية موريتانية

Tumblr ↗

بين العصا والحوار.. هل تراجع العقاب البدني في المدارس والمنازل؟

بين العصا والحوار.. هل تراجع العقاب البدني في المدارس والمنازل؟
كيفة – الرصد إنفو
داخل بعض الفصول الدراسية، لم تعد العصا حاضرة كما كانت في السابق، و حلّت محلها أساليب تقوم على الحوار والتنبيه والتواصل مع الأسرة. غير أن السؤال لا يزال مطروحا: هل تراجع العقاب البدني فعلا في المدارس والمنازل، أم أنه ما زال حاضرا بأشكال مختلفة؟

تشهد أساليب تأديب الأطفال تحولات متسارعة في ظل تزايد الوعي بحقوق الطفل، واعتماد مقاربات تربوية حديثة تقوم على التحفيز والتوجيه بدل العنف. وبينما تؤكد الجهات التربوية حظر جميع أشكال العقاب البدني داخل المؤسسات التعليمية، لا تزال الآراء متباينة بشأن حضوره وفعاليته في التربية.
ويؤكد المدير الجهوي للتربية وإصلاح النظام التعليمي بولاية العصابة، أباتن عروة عبدالله، أن القطاع يعمل على ترسيخ مفهوم “المدرسة الجاذبة للطفل”، وهو ما يقتضي التعامل مع التلاميذ بما يراعي أوضاعهم النفسية والتربوية.
وأوضح أن العقاب البدني محظور داخل المؤسسات التعليمية، وأن المعلمين يعتمدون بدائل تربوية لضبط السلوك تبدأ بالتنبيه غير المباشر والإشارات الهادئة، ثم التدرج في الإنذار، قبل اللجوء إلى استدعاء ولي الأمر عند الضرورة.
وأضاف أن الإدارة الجهوية لم تسجل، خلال الفترة الأخيرة، حالات عقاب بدني ضد التلاميذ في ولاية العصابة، مشيرا إلى أن أي معلم يثبت استخدامه للعقاب البدني يتعرض لإجراءات تأديبية قد تبدأ بالإنذار أو التحويل من المؤسسة التعليمية، وقد تصل إلى القضاء إذا ترتب على الفعل ضرر جسدي وتقدمت أسرة الطفل بشكوى رسمية.

من الضرب إلى التربية الإيجابية

ويرى المفتش محمد يحي أن أساليب التأديب داخل المدارس شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن الضرب والتوبيخ الصارم كانا سائدين لفترة طويلة داخل المدارس والمحاظر التقليدية، قبل أن تعتمد وزارة التربية نصوصًا تنظيمية تحظر جميع أشكال العنف الجسدي والنفسي ضد المتعلمين.
وأشار إلى أن الأنظمة المنظمة للحياة المدرسية تنص صراحة على منع العقاب البدني، فيما تقوم البدائل المعتمدة اليوم على الحوار والإقناع وتعزيز السلوك الإيجابي، إضافة إلى تفعيل الشراكة بين المدرسة وأولياء الأمور لمعالجة المشكلات السلوكية والاجتماعية.
آراء متباينة داخل الأقسام الدراسية
ورغم وضوح التوجه الرسمي، فإن آراء المعلمين بشأن أساليب التأديب لا تزال متفاوتة.
فالمعلم محمد زدفي يؤكد أنه يعتمد على التحفيز والتواصل المستمر مع التلاميذ وأولياء أمورهم لضبط القسم، مشيرًا إلى أنه لا يستخدم العصا أو أي شكل من أشكال العنف.
ويقول إن التلميذ يحتاج إلى بيئة قائمة على الاحترام والثقة، مضيفًا أن العنف يجعل الطفل يكره المعلم ويؤثر سلبًا على حالته النفسية. ويعتمد في إدارة قسمه على تشجيع التلاميذ المتميزين، وإشراكهم في تحمل المسؤولية، معتبراً أن الحوار والتحفيز أكثر فاعلية في تحقيق الانضباط.
في المقابل، يرى معلم آخر أن من الوسائل التي يستخدمها للتأديب الطرد المؤقت من الفصل أو تكليف التلاميذ بكتابة الدروس، معتبراً أن العقاب البدني قد يكون فعالًا إذا استُخدم بشكل محدود ودون أذى جسدي.

الأسرة بين الأساليب التقليدية والبدائل الحديثة

ولا يختلف الوضع كثيرًا داخل الأسر، حيث تتباين طرق التعامل مع أخطاء الأطفال.
وتقول أم لعدد من الأطفال إنها تلجأ إلى الحرمان المؤقت من اللعب أو استخدام الهاتف عند ارتكاب أحد أبنائها خطأً، مؤكدة أنها لا تعتبر الضرب وسيلة تربوية مناسبة.
في المقابل، يرى أحد أولياء الأمور أن الضرب والتعنيف ما زالا حاضرين في المجتمع الموريتاني بوصفهما من أكثر وسائل التأديب شيوعًا، مشيرًا إلى أن هذه الممارسة ما تزال مقبولة اجتماعيًا في بعض الأوساط وتُورَّث باعتبارها جزءًا من الثقافة التربوية السائدة.
وتكشف هذه الآراء عن تحول تدريجي في نظرة بعض الأسر إلى التربية، مقابل استمرار قناعات اجتماعية ترى في العقاب البدني وسيلة مشروعة لتقويم السلوك.

آثار نفسية وبدائل تربوية
ومن جانبه، يؤكد الأستاذ الجامعي محمد عمي، المختص في علم الاجتماع، أن العقاب البدني قد يترك آثارًا نفسية وسلوكية متعددة على الطفل، من بينها ضعف الثقة بالنفس، وتراجع تقدير الذات، وتنمية السلوك العدواني، إضافة إلى توتر العلاقة مع الوالدين أو المعلمين.
ويشير إلى أن العقاب البدني قد يوقف السلوك غير المرغوب فيه بشكل فوري، لكنه لا يمثل وسيلة فعالة على المدى الطويل، لأن الطفل يتعلم غالبًا كيفية تجنب العقوبة أو إخفاء الخطأ، دون أن يفهم بالضرورة سبب السلوك الخاطئ أو بديله الصحيح.
ويدعو المختص إلى اعتماد بدائل تربوية أكثر فاعلية، من بينها الحوار، وشرح الخطأ وآثاره، والتعزيز الإيجابي، والحرمان المؤقت من بعض الامتيازات بصورة مناسبة، إضافة إلى تقديم القدوة الحسنة.
ومع تأكيد الجهات التربوية حظر العقاب البدني داخل المدارس، ودعوة المختصين إلى استبداله بأساليب أكثر إنسانية، يبدو أن المجتمع يعيش مرحلة انتقالية تتعايش فيها أساليب التربية التقليدية مع مقاربات جديدة تقوم على الحوار والتوجيه والاحترام، في سبيل بناء بيئة أكثر أمانًا للأطفال داخل المدرسة والمنزل.
لمينه زيدان(الأمينة زيدان )
شبكة الصحفيين أصدقاء الأطفال(REJADE)