نتابع الحدث لتعرف الحقيقة

Tumblr ↗

الوسم: مقالات

  • اللغة العربية في الجامعات البريطانيةبقلم : أحمد شوقي عيفي

    #مقالات

    اللغة العربية في الجامعات البريطانية

    بقلم : أحمد شوقي عفيفي

    داعية إسلامي وكاتب بنغالي

    ها هي اللغة العربية في الجامعات البريطانية تمضي في رحلتها الرفيعة كأنها خط من نور يمتد من الشرق إلى الغرب، يحمل معه عبق الصحراء، ورنين القوافي، وظلال ألف عام من الفكر والفقه والحكمة. لم تدخل تلك الجامعات دخول لغة تبحث عن موطئ قدم، بل دخلت دخول ملكة تعرف مكانها، وتعرف أن حروفها ليست مجرد أصوات، بل مفاتيح لحدائق ممتدة من التاريخ، وبوابات تفتح على حضارة تشبه نهرا لا ينضب.
    في أكسفورد وكامبريدج، حيث تتجاور الأحجار العتيقة مع همس العصور، أخذت العربية موضعها منذ أوائل القرن السابع عشر، فبدت كأنها ضيف قادم من وراء الرمال ليوقظ في القاعات الباردة شيئا من وهج الشمس. كانت المخطوطات الأولى تقرأ على أطراف الشموع، وبجوارهما يجلس أساتذة تلمع في أعينهم دهشة اللقاء الأول بين الغرب وكتاب عربي جاء من بغداد أو دمشق أو فاس. ومن تلك اللحظة، صار للحرف العربي مقام يحفظ، ومكانة يجل، كأنه جسر رقيق يصل بين عالمين تكملهما المعرفة ويجمعهما الشغف.

    ومع القرون التالية، اتسع صدر الجامعات البريطانية للعربية اتساع بساتين تروى بماء جديد. جاء القرن العشرون، فجعل من اللغة العربية حضورا مؤسسيا متينا، خصوصا حين فتحت جامعة لندن باب مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، فصار للعربية بيت يشبه القصر، تتردد فيه أصوات اللغات، لكن العربية وحدها كانت تبدو كالوتر الأقدم، الذي يضبط مقام الموسيقى كلها. صار الطالب هناك يتتبع طريق الشعر الجاهلي، ويقرأ الفلسفة الإسلامية، ويغوص في فقه اللغة كما يغوص غواص ماهر بحثا عن لؤلؤ مكنون.
    أما اليوم، فقد تجاوزت العربية مرحلة الضيف والمستكشف، وصارت عنصرا أصيلا في المشهد الأكاديمي البريطاني. تجدها في مقررات السياسة والتاريخ والآداب، وفي أبحاث المستشرقين الجدد، وفي قلوب الطلبة الذين جاءوا يبحثون عن نافذة تطل على الشرق، فوجدوا في العربية هواء نقيا ينعش الفكر ويوقظ الحواس. صارت الجامعات البريطانية ترفع لها مقاعدها احتراما، وتفتح لها مكتباتها العتيقة، كأنها تقول للعالم: هنا لغة جاءت من بعيد، لكنها حين وصلت، أدرك الجميع أنها كانت قريبة منذ البداية.

    وهكذا، تمضي العربية في بريطانيا بطلعتها المهيبة، لا تنحني للزمن ولا يشيخ حضورها. تمشي كأنها سفينة من المعنى، تتهادى فوق بحر من المعرفة، وتترك خلفها أثرا لا يمحى. إنها ليست مجرد لغة تدرس، بل رواية من الجمال، تتفتح كل يوم في قلب جامعة، وتنبت في عقل طالب، وتعيد كتابة الحكاية الكبرى: حكاية حضارتين تلتقيان على جسر صنعته الحروف.

    المراجع:

    1. تاريخ التراث العربي المكتوب – كارل بروكلمان
    2. الدراسات العربية والاستشراق في أوروبا العصر الحديث المبكر – ألاسدير هاملتون